00
في بداية المسيرة المهنية، يكون الخوف رفيقاً دائماً. تخشى أن ترتجف يداك، أو أن تؤذي مريضاً، أو أن يلاحظ الجميع أخطاءك، والأعمق من ذلك كله أن تخشى أنك لست جديراً بالمكان الذي وصلت إليه. في تلك اللحظة، تغيّر الجو في القاعة. لم أعد أتحدث عن فرضية أو احتمال، بل كنت أعبّر بصوتٍ مسموع عن الشعور الذي كان الجميع يعيشونه، ولم يجرؤ أحد على قوله.
01
الخوف ليس علامة ضعف
الخوف ليس علامة ضعف. فكل طبيب سريري أكنّ له التقدير حمل معه شكلاً من أشكال هذا الخوف إلى غرفة العلاج. وأنا كذلك، كما حمله أيضاً أولئك الأطباء الذين سيقضي هؤلاء الطلبة سنواتهم المقبلة وهم يتطلعون إليهم بإعجاب. والخطأ الحقيقي ليس أن نخاف، بل أن نخفي خوفنا حتى يتحول تدريجياً إلى جدار يفصلنا عن أنفسنا وعن مرضانا.
لذلك طلبت منهم أن يفعلوا العكس تماماً: سمّوا مخاوفكم، وافهموها، وتحدثوا عنها بوضوح. فالخوف الذي نسمّيه يتحول إلى معلومة تساعدنا على الفهم، أما الخوف الذي ندفنه فيتحول إلى حاجز يمنعنا من التقدم.
02
لماذا يختلف طبيبان من الكلية نفسها؟
ثم طرحت السؤال الذي أراه أهم من أي مهارة تقنية يمكن أن أعلّمها:
تخيّل طبيبين تخرجا من الكلية نفسها، وتلقيا التدريب ذاته، ويحمل كل منهما الشهادة نفسها المعلّقة على الجدار. لماذا نجد، بعد عشر سنوات، أن مسيرتيهما المهنيتين قد اتخذتا اتجاهين مختلفين تماماً؟ ولماذا أصبح كل منهما طبيباً مختلفاً عن الآخر؟
الإجابة ليست في الشهادة، فكلاهما يحمل الشهادة نفسها. وفي معظم الأحيان ليست حتى في المهارة السريرية. إنما يكمن الفارق في منطقة أكثر هدوءاً وأقل ظهوراً، فيما أُسميه البنية الداخلية للطبيب؛ أي ذلك البناء الذي يتكوّن من الوعي بالذات، وطريقة التفكير، والقيم الأساسية التي توجه قراراتنا بصمت عندما لا يكون هناك من يراقبنا أو يقيم أداءنا.
إن مهاراتك تخبر العالم بما تستطيع إنجازه، أما بنيتك الداخلية فهي التي تحدد كيف ستستخدم تلك القدرة، ومن ستكون أثناء استخدامها.
نحن نقضي سنوات طويلة في التدريب، والتدريب أمر ضروري ومهم. فهو يعلمنا التشخيص، والإجراءات العلاجية، والمواد، والحكم السريري. لكن التدريب ليس هو التكوين. فالتدريب يصنع المهارة، أما التكوين فيصنع الإنسان.
وكلما امتدت سنوات ممارستي للمهنة، ازددت اقتناعاً بأن الجزء الوحيد الذي نملكه حقاً في حياتنا المهنية هو ذلك العالم الداخلي الذي نبنيه بأنفسنا. فالمهارات تتطور، والتقنيات تتغير، والمناصب والألقاب تأتي وتذهب. أما الشخص الذي يتخذ القرارات خلف كل ذلك فيبقى هو نفسه، ومع مرور الوقت يصبح الإنسان، لا المهارة، هو من يقرر كيف ستُستخدم تلك المهارة.
03
درس من وباء كورونا: المريضة التي جاءت لتُرى
لقد أدركت المعنى الحقيقي لذلك قبل عدة سنوات، في ذروة جائحة كورونا، ولم أتعلمه من موقف أفتخر به.
كنا نعمل آنذاك ضمن قيود زمنية صارمة، وكنت قد أمضيت اليوم بأكمله مرتدياً جهاز التنفس الواقي، ذلك الذي يترك آثاراً واضحة على الوجه قبل منتصف النهار. حضرت مريضة إلى العيادة، وكانت هناك فجوة لغوية كبيرة بيننا. وحتى مع وجود مترجم عبر الهاتف، لم أتمكن من فهم ما تحتاج إليه.
وأريد أن أكون دقيقاً في وصف ما حدث بعد ذلك، لأن الرواية المبسطة ليست هي الحقيقة. أما الحقيقة فهي أصغر حجماً وأكثر إزعاجاً.
لم أفقد أعصابي، ولم أقم بأي تصرف يمكن أن يُسجَّل في الملف الطبي. كل ما حدث أنني أصبحت أكثر ميلاً إلى الكفاءة المجردة. ففي مكانٍ ما داخل عقلي، ومن دون وعي كامل، قررت أن هذه المريضة تستهلك وقتاً أكثر مما يسمح به جدول اليوم. أخبرتها، بطريقة أو بأخرى، أنني لا أفهم ما تريده، ثم غادرت الغرفة.
في تلك اللحظة، لم أشعر بأنني أخفقت. وهذه هي النقطة التي تستحق التأمل. لقد بدا الأمر بالنسبة إليّ وكأنه مجرد محاولة للتأقلم، أو وسيلة للحاق بوتيرة العمل.
وهكذا يحدث الأمر في الواقع. فلا أحد يستيقظ صباح يوم عادي ويقرر أن يصبح نسخة أصغر من نفسه. فالضغوط لا تطلب منك أن تتخلى عن إنسانيتك دفعة واحدة، بل تطلب منك شيئاً يسيراً في كل مرة: أن ترى أقل قليلاً، وأن تتحرك أسرع قليلاً، وأن تعالج الملف الطبي بدلاً من الإنسان... هذه المرة فقط... واليوم فقط.
إن الضمير لا ينهار فجأة، بل يضيق تدريجياً بصمت، خطوة بعد أخرى. وكانت آثار جهاز التنفس على وجهي، وضغط الوقت، وتراكم المرضى، كلها تدفعني، بكل هدوء، إلى ذلك التضييق.
دخلت غرفة العلاج التالية وبدأت أحيّي المريض الجديد. ثم توقفت.
كان هناك صوت داخلي يقول لي: د.
فكّرت كثيراً في مصدر ذلك الصوت، لأنه لم يكن نتيجة تدريب مهني، ولم أتعلمه في أي مقرر دراسي، ولم تختبره أي لجنة امتحان. لقد خرج من الجزء الوحيد في داخلي الذي لم تصل إليه شهاداتي الجامعية.
لم تكن تلك لحظة تعاطف ظهرت من العدم، بل كانت بنيتي الداخلية تستشعر الانحراف قبل أن يتحول ذلك الانحراف إلى شخصيتي.
استأذنت وخرجت إلى صالة الانتظار، وهو أمر نادراً ما أفعله. وكانت أول من رأيتها هي تلك المريضة. التفتت نحوي، والتقت أعيننا. اعتذرت لها. فانهارت باكية، واحتضنتني، ثم أخبرتني السبب.
كان ابنها الأكبر يحتضر في بلد آخر. ولم تكن قادرة على السفر، ولن تتمكن من وداعه للمرة الأخيرة.
لم تأتِ إلى العيادة في ذلك اليوم بحثاً عن طقم أسنان. لقد جاءت لأنها كانت بحاجة إلى أن يراها أحد، وأن يصغي إليها، وأن يشعر بها إنسان آخر يمنحها انتباهه الكامل.
في تلك اللحظة، وأنا واقف في صالة الانتظار، أدركت حقيقة مهمة. لقد كانت لدي المهارة السريرية لمساعدتها منذ البداية. لم تكن المهارة هي المشكلة أبداً.
ما كان ذلك اليوم يسلبه مني بصمت لم يكن مهارة، بل كان استعدادي لأن أبقى حاضراً مع الإنسان الذي أمامي، بينما كانت كل الظروف من حولي تكافئني على الانتقال بسرعة إلى الحالة التالية. وكدت أفقد ذلك الاستعداد.
04
الخوف غير المسمى يتحول إلى جدار
لقد كان الطبيب الذي خرج من تلك الغرفة هو الطبيب نفسه الذي كنت قد وصفته قبل ذلك لطلبتي. كان خائفاً. خائفاً من اللغة التي لا يستطيع التحدث بها، وخائفاً من التأخر عن جدول العمل، وخائفاً في أعماقه، من ألّا يكون كافياً ليوم يطلب منه أكثر مما يحتمل.
ولأنني لم أسمِّ هذا الخوف، فقد فعل ما يفعله كل خوف غير مُسمّى. تحوّل إلى جدار. وكان ذلك الجدار هذه المرة حقيقياً: الباب الذي أغلقته خلفي عندما غادرت الغرفة.
ذلك الخوف الذي أخفيته كاد يحرم أماً مكلومة من الشيء الوحيد الذي جاءت تبحث عنه. أما لو اعترفت به، لأصبح معلومة ترشدني. كان سيخبرني أن أبطئ خطواتي... لا أن أسرعها.
05
أيُّ طبيبٍ أنت في طور أن تصبح؟
لقد طرحت هذا السؤال أمام مجموعة من الطلبة، لكنني أدركت، وأنا أنطقه، أنه لم يكن سؤالهم وحدهم. إنه سؤال يخص الطبيب حديث التخرج، كما يخص صاحب العيادة الخاصة. ويخص الأستاذ الجامعي، كما يخص الطبيب الذي يقترب من التقاعد. وكان يخصني أنا أيضاً في ذلك اليوم العادي، وأنا أرتدي جهاز التنفس، في أصعب لحظات يومٍ طويل.
وهناك حقيقة أود أن يتمسك بها كل طبيب شاب: إن الإجابة عن هذا السؤال لم تكن في اللحظة التي بكت فيها تلك السيدة. تلك هي اللحظة التي يتذكرها الجميع، لكنها ليست اللحظة التي حددت أي نوع من الأطباء كنت.
لقد جاءت الإجابة قبلها بثلاث ثوانٍ فقط. في ممرٍ فارغ. حين لم يكن أحد يراقبني. ولم يكن أحد يقيم أدائي. عندما استدرت... وعدت.
ذلك الالتفات لا يُدرَّس في قاعات المحاضرات، بل يُبنى بصمت، عبر سنوات، من خلال الخيارات الصغيرة التي لا يراها أي مريض، حتى يصبح يوماً ما قوياً بما يكفي ليجعلك تستدير، بينما يدفعك كل ما حولك إلى المضي قُدماً.
لن يرى مرضاك بنيتك الداخلية أبداً. لكنهم سيعيشون دائماً داخل القرارات التي تصنعها تلك البنية. لذلك، ابنِها عن قصد.
لقد حددت شهادتك ما أنت قادر على فعله. أما تكوينك الداخلي، فهو الذي سيحدد ماذا ستفعل بتلك القدرة، ومن ستكون في تلك الثواني الثلاث... عندما لا يكون هناك سوى أنت، والممر، والقرار بالعودة.

