00
1. المحطات والمنعطفات: كيف تصنع الضغوطات شخصية القائد؟
لم يولد محمد الهاشمي وفي فمه ملعقة من ذهب، بل إن ملامح شخصيته القيادية صُبّت في قوالب من التحديات الصعبة منذ نعومة أظفاره.
- مدرسة التميز والأرقام الأسيّة: بدأت أولى محطات البناء الفكري في ثانوية كلية بغداد العريقة، تلك المدرسة التاريخية التي لا تقبل سوى الصفوة. هناك، وتحت وطأة المناهج البريطانية المكثفة ودراسة الرياضيات والهندسة باللغة الإنجليزية، تشكل لديه عشق الأرقام والتفكير الأسي (Exponential Thinking). وهي المنهجية التي نقلها لاحقاً إلى عالم البزنس.
- زلزال 2006 والمسؤولية القسرية: في عام 2006، وبينما كان الهاشمي ينهي مرحلة السادس الإعدادي، هزّ حياته حدث مأساوي تمثل في استشهاد والده الذي كانت تربطه به علاقة حب عميقة. وجد الشاب نفسه فجأة بعمر 18 عاماً مغتربًا في مدينة السليمانية، كطالب عربي لا يتقن اللغة الكردية، والابن الوحيد المسؤول عن والدته وأخواته الأربع. يقول الهاشمي عن تلك اللحظة الفارقة: "صارت لا إرادياً غصباً ما عليك رصت مسؤول". هذه المسؤولية القسرية ألغت لديه ترف المراهقة والضعف، وحوّلته إلى رجل يبحث عن الفرصة الكامنة في عمق المحنة.
- إرضاء الأم وبوصلة الشغف: نزولاً عند رغبة والدته التي تمنت رؤية ابنها "دكتوراً"، دخل الهاشمي كلية طب الأسنان وتخرج منها. لكن عقله وقلبه كانا يبحران في فضاء التجارة. كان يقول لأصدقائه في الكلية بوضوح ودعابة: "أخذ شهادة طب الأسنان أتزوج بها وأقعد أقول لأمي أنا دكتور، بس أشتغل غير شي".
01
2. عقيدة القيادة: صناعة الحلم وجلد شماعة الأعذار
تنقسم فلسفة القيادة والإدارة لدى الدكتور محمد الهاشمي إلى ثلاثة أركان أساسية تشكّل معاً الهوية الإدارية لشركته الناجحة Vital Alliance:
أولاً: بيع الحلم وتحقيقه
يرى الهاشمي أن القائد الحقيقي ليس مديراً يراقب البصمة اليومية للموظفين، بل هو صانع إلهام. ويصيغ اقتباسه الذهبي قائلاً: "القائد الصحيح يبيع الحلم لفريقه ويحققه، ويرجع يبيع الهم حلم ثاني ويحققه وياهم، لحد ما يصير إيمان بالمكان". هذا الإيمان جعل موظفي الشركة (الذين يصفهم بـ "الوحوش والحيتان") يعملون بدافع الحب والشغف بالمكان، ويطرحون أحلاماً ومبادرات جديدة تتبناها الشركة وتنفذها معاً كجسد واحد.
ثانياً: القائد آخر من يأكل
مستلهماً فلسفة القيادة الشهرية من الكتب الإدارية العميقة مثل كتاب (Leaders Eat Last) "القائد آخر من يأكل" وكتاب (Never Eat Alone) "لا تأكل وحدك"، يطبق الهاشمي هذا المبدأ حرفياً داخل مؤسسته. يعلن الهاشمي صراحة: "كل شخص موجود في هذه الشركة هو شريك بهذه الشركة".
ثالثاً: سحق "الشماعة" والنهوض في الأزمات
أكبر عدو يواجهه الهاشمي في بيئة العمل هو "تعليق الفشل على الظروف الخارجية". يوجه رسالة صارمة لرواد الأعمال والشباب: "دائماً أقول لهم.. سبب للفشل هو الشماعة.. شيل الشماعة، كل الناس لها ظروف والبلد حيظل به ظروف". الدليل العملي على نجاح هذه العقيدة هو أن الصعود الصاروخي والنمو الحقيقي لشركة Vital Alliance بدأ وازدهر في أوج جائحة كورونا (عامي 2020 و2021). ففي الوقت الذي أغلقت فيه شركات كثيرة أبوابها واكتفت بالندب والشكوى، رفض الهاشمي وفريقه اللجوء للشماعة، وداسوا على دواسة البزنس ليقتنصوا الصدارة ويؤسسوا قواعد صلبة للمستقبل.
02
3. ضريبة المجد: صرخة الرا والخلل الإنساني
خلف بريق النجاح والانتشار التجاري الواسع، تكمن زاوية مظلمة يدفع فيها رائد الأعمال فاتورة باهظة من حياته الشخصية والإنسانية.
خلال مرحلة النمو الحرجة للشركة بين عامي 2019 و2021، كان المشروع يمر بمرحلة "كون أو لا كون"، حياة أو موت للبزنس. كان الهاشمي يعمل لأكثر من 16 ساعة يومياً، يخرج فجراً ويعود بعد منتصف الليل متعباً مستنزفاً. وفي إحدى الليالي، بعد غياب طويل ومتواصل عن المنزل، فتح باب بيته ليقترب من ابنته الرضيعة "الرا" (التي ولدت عام 2019). لكن الطفلة، بسبب غيابه الطويل، لم تتعرف على ملامح وجه والدها، فنفرت منه وصرخت باكية.
يصف الهاشمي هذه اللحظة بمرارة شديدة وألم عميق يهز الوجدان: "حسيت نفسي بهاي اللحظة كل اللي دا أسويه صفر... أنت غلط أصلاً". هذا الموقف الإنساني الصادم يلخص بدقة الضريبة القاسية التي يدفعها المبدعون؛ حيث يختل ميزان الحياة (Work-Life Balance) تماماً لصالح العمل من أجل بناء الصرح وحماية عوائل الموظفين الذين ارتبطت مصائرهم بقرارات القائد.
03
4. رسالة لجيل الغد: استثمر في نفسك ودع التعيين
بمناسبة اليوم العالمي لرواد الأعمال، يوجه الدكتور محمد الهاشمي رسالة مباشرة وصادقة للشباب والخريجين الجدد في العراق للاستثمار في الذات ونبذ ثقافة انتظار التعيين الحكومي الكسول.
- الاستثمار الأهم (اللسان، الأمانة، والالتزام): يرى الهاشمي أن رأس المال المالي هو آخر فاكتور (عامل) يؤثر في نجاح أي مشروع؛ فالكثيرون يبدأون بملايين وينهون البزنس إلى صفر. الاستثمار الأهم هو الاستثمار في النفس. يقول الهاشمي: "رأس مالك هو لسانك، لسانك، لسانك.. والسمعة الطيبة والالتزام بالكلمة". ويضع الكذب خطاً أحمر لا رجعة فيه؛ فالشخص الكاذب لا يمكن ائتمانه على عمل أو بناء علاقة شراكة مستدامة.
- سر الاستثمار في الخريجين الجدد (Fresh): في منهجية توظيف غير تقليدية، يفضل الهاشمي توظيف الخريجين الجدد الذين لا يملكون أي خبرة سابقة. يرى أن هؤلاء الشباب يملكون رغبة حقيقية في التعلم، ولديهم شغف والتزام عالٍ. ويفخر بأن أهم وأبرز الكفاءات والقيادات الحالية في Vital Alliance (والذين تتهافت عليهم الشركات الأخرى الآن لتدفع لهم أضعاف الأجور) بدأوا معه كخريجين جدد بلا خبرة، وتم صقلهم وتدريبهم داخل الشركة ليصبحوا قادة حقيقيين.
04
الخاتمة: الريادة كأثر ممتد وبناء للإرث
في فلسفة محمد الهاشمي، تنقسم التجارة إلى نوعين: صفقات عابرة وسريعة لجني الأرباح السريعة دون ترك أي أثر تُسمى (Hit and Run)، وبناء حقيقي لبراند وهوية مستدامة تحافظ على قيمتها وموثوقيتها لسنوات طويلة.
لقد اختار الهاشمي المسار الصعب والأبقى؛ حيث حوّل Vital Alliance من مجرد مكتب يبيع المواد الطبية إلى مؤسسة متكاملة ترتقي بقطاع طب الأسنان العراقي بأكمله. ومن خلال التركيز على التعليم المستمر (Education)، وتأسيس مراكز تدريبية متطورة في بغداد والسليمانية، ونقل التكنولوجيا الحديثة مثل الماسحات الضوئية الرقمية والطابعات ثلاثية الأبعاد، تحولت الشركة إلى شريك حقيقي لطبيب الأسنان العراقي، يدعمه علمياً ويوفر له الجودة والأمان.
إن مسيرة محمد الهاشمي تثبت في اليوم العالمي لرواد الأعمال أن القيادة الاستثنائية لا تُبنى بالاستعراض (The Show) أو البحث عن التفاخر؛ بل تُبنى بالتواضع، وتحمل المسؤولية، وغرس الثقة والأمان في نفوس الفريق، والتأكد دائماً من أن القائد الحقيقي هو آخر من يأكل، وأول من يضحي لتظل سفينة الجميع تبحر بأمان نحو المستقبل.
شاهد الحلقة الكاملة مع الدكتور محمد الهاشمي في يو بودكاست 🎙 EP07 | U Podcast | ليش تركت طب الأسنان واتجهت لإدارة الأعمال؟ | مع الدكتور محمد الهاشمي