00
نشأة الدكتور إيهاب مُسلِّم وتحوله لجريء
وُلد الدكتور إيهاب مُسلِّم في عام 1963، وقضى جزءاً مهماً من طفولته ومراهقته (من سن 10 إلى 17 عاماً) مغترباً مع أسرته في المملكة العربية السعودية. بعد عودته إلى مصر، التحق بكلية الطب وتخرج من جامعة بنها في عام 1986، ليُعين في تخصص جراحي دقيق.
ورغم مساره الطبي، إلا أن شغفه بعالم الأعمال قاده لتأسيس أول شركة أجهزة طبية مع بعض زملائه في عام 1987، وذلك خلال فترة الامتياز. ومع تزايد انغماسه في إدارة الأعمال واكتشافه لاختلافها الجذري عن الطب، اتخذ قراراً حاسماً وجريئاً في عام 1991 بالتخلي نهائياً عن ممارسة الطب والتفرغ الكامل لشركته وعالم "البزنس".
01
رحلة الوعي بالجهل ومهارة "إعادة التعلم" في بداياته الإدارية
اعترف الدكتور إيهاب بأنه كان يفتقر لأبسط قواعد الإدارة، وكان يدير أعماله بجهل تام لأساسيات الحسابات والتسويق. ولكن بمجرد أن أدرك هذا الجهل، بدأ رحلة مكثفة من التعلم الذاتي، توُّجت بتأسيسه لشركة تدريب في عام 2000، واكتشافه لمتعة نقل المعرفة وتبسيطها للآخرين.
ومن هنا، يبرز الدكتور أهمية مهارة "Unlearning"، والتي تعني ضرورة نسيان القناعات والمعلومات القديمة الخاطئة لإفساح المجال لتعلم مهارات حديثة تواكب العصر، مشبهاً ذلك بضرورة تخلي من تعلموا نظام "DOS" عنه ليتمكنوا من تعلم "Windows"، فبدون التخلي عن القديم، يخرج الإنسان من سباق التطور.
02
جدلية الطب: رسالة إنسانية أم ربح تجاري؟
يتناول الدكتور إيهاب قضية شائكة تتعلق بأخلاقيات الطب وتعارضها مع النوايا الربحية. ويؤكد بوضوح أن الطب هو "بزنس" ورسالة إنسانية في آن واحد، تماماً كمهن التعليم والقضاء. المشكلة الحقيقية في الدول العربية تكمن في غياب منظومات التأمين الصحي الشاملة، مما يجعل الطبيب يتقاضى أجره مباشرة من جيب المريض، وهو ما يخلق تعارضاً ظاهرياً في المصالح.
ولأن المريض يكون في أضعف حالاته الإنسانية، يشدد الدكتور على ضرورة إظهار أقصى درجات التعاطف (Empathy)، مشيراً إلى دراسات أثبتت أن الأطباء الذين يتعرضون للمساءلة القانونية وقضايا التعويضات ليسوا بالضرورة الأقل كفاءةً طبياً بل هم غالباً من يفتقرون لمهارات التواصل الإنساني مع مرضاهم.
03
معادلة النجاح: كيف تكون "الأشهر والأشطر"
عُدَّت هذه النظرية من أهم الإسهامات الفكرية للدكتور إيهاب. تقوم النظرية على أن مسار "الشطارة" (المهارة الفنية) يختلف تماماً عن مسار "الشهرة" (التسويق).
الشطارة تتعلق بأداء الشخص ولها سقف محدود، بينما الشهرة تتعلق بإدراك الناس وهي غير محدودة. الطبيب الشاطر غير المشهور هو كـ"الجوهرة المخفية" التي لا تفيد أحداً، والطبيب المشهور غير الشاطر يمثل خطراً على مرضاه؛ لذا فإن النجاح المستدام يتطلب الجمع بين المسارين من خلال بناء علامة شخصية (Personal Branding) قوية، تعتمد على تقديم قيمة حقيقية للجمهور المستهدف واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بذكاء.
04
فن إدارة التوقعات ورضا المرضى في عالم العيادات
يعرِّف الدكتور إيهاب رضا المريض بأنه نتيجة مقارنة ذهنية يجريها المريض بين "ما توقعه" و"ما وجده" فعلياً. وبناءً على ذلك، فإن الإدارة الصحيحة لهذه التوقعات هي مسؤولية الطبيب بالدرجة الأولى.
واستناداً إلى "قانون مريفي"، يؤكد الدكتور أنه إذا تُركت أي مساحة للمريض ليفهم الأمور بشكل خاطئ، فإنه سيفهمها بشكل خاطئ حتماً. لذلك، يجب على الطبيب شرح كل خطوة علاجية بوضوح تام، وتجنب إرهاق المرضى في قاعات الانتظار، لأن احترام وقت المريض هو جزء أساسي من القيمة التي يقدمها.
05
الركائز الخفية لنجاح العيادات: الإدارة المالية والشراكات
ينتقد الدكتور إيهاب غياب الوعي المالي لدى الكثير من الأطباء، مشدداً على أهمية فهم القوائم المالية، مثل "قائمة الدخل" لمعرفة الأرباح والخسائر، و"الميزانية العمومية" لمعرفة الأصول والخصوم. ويركز بشكل خاص على ضرورة حساب "الإهلاك" (Depreciation) للأجهزة الطبية باهظة الثمن، محذراً من أن تجاهل هذا البند قد يجعل العيادة تخسر أموالها دون أن يشعر الطبيب.
أما في ما يخص الشراكات، فينصح بسؤال جوهري: "هل نحتاج شريكاً فعلاً؟"، مشدداً على ضرورة اختيار الشريك المتوافق أخلاقياً وإدارياً وكتابة عقود تفصيلية تشمل أسوأ السيناريوهات لتجنب الخلافات المستقبلية.
06
إدارة الموارد البشرية والرضا الوظيفي
لمعالجة مشكلة التسرب الوظيفي العالي (Turnover) بين الممرضين والمساعدين، يوضح الدكتور أن الحل يكمن في تحقيق "الرضا الوظيفي" عبر التحفيز المادي والمعنوي. ويلفت الانتباه إلى حقيقة إدارية قاسية، وهي أن السبب الأول لاستقالة الموظفين هو التعامل القاسي من المدير المباشر.
لذلك، يجب على الأطباء تطوير مهاراتهم القيادية والإنسانية لضمان بيئة عمل مستقرة تنعكس إيجاباً على جودة الخدمة المقدمة للمرضى.
ويختتم الدكتور مسيرته وفلسفته برسالة متواضعة وعميقة، مؤكداً أن غايته الكبرى ليست الشهرة، بل أن يترك أثراً يجعل "السوق العربي أكثر خُلقاً وربحية".
