00
أسطورة “اليد الثابتة”
طب الأسنان يمجد اليد الهادئة والتنفيذ المثالي، نقيس بالميكرونات، نتدرّب على اليقين ونتعلم أن الثبات يعني الإتقان.
لكن اليقين خرافة، والكمال—كما كتبت سابقًا—هو أخطر أوهامه. ولا يوجد كتاب جامعي يهيئك للحظات مثل:
- عندما يفشل التخدير وتمتلئ عينا المريض بالخوف.
- عندما تتجمد مساعدتك أثناء الإجراء ولديك ثوانٍ لاستعادة الإيقاع.
- عندما يواجهك أحد الأهل بخطة علاج لم يفهمها جيدًا من البداية.
- عندما ينهار أحد أعضاء فريقك وتتحول العيادة من مكان إنتاج… إلى مساحة إنسانية.
هذه ليست "أخطاء تقنية". إنها تقاطعات أخلاقية. وتتطلب شيئًا أعمق من المهارة السريرية: تتطلب حكمًا، وتواضعًا، وقيادة.
الدقة مهارة، أما الثبات فهو انضباط.
01
ما بين العيادات والهيئات والعيادات المجتمعية
على امتداد رحلتي — من القطاع الخاص، إلى قيادة مراكز صحية مؤهلة اتحاديًا، ومن مجالس الموارد البشرية في بغداد، إلى العيادات المجتمعية في كاليفورنيا — تعلّمت حقيقة واحدة:
قد تنزلق يدك، قد ينهار جدولك. لكن حضورك—قدرتك على أن تبقى ثابتًا، واعياً، وأخلاقيًا—لا يجب أن ينهار.
02
الثبات ليس صمتًا؛ إنه هدوء استراتيجي
هو التوقف بدل الهلع
هو أن تقول: "خلّينا نعيد التقييم ونسويها صح" بدل دفع الفوضى إلى الأمام. هو تذكُّر البوصلة التي قادتني في مناطق حرب، وغرف اجتماعات، وعيادات:
03
عندما تفشل الأنظمة… تقود القيم
ماذا يحدث عندما…؟
1-ينهار الإجراء
غلاف السن لا يثبت بمكانه الصحيح، الأداة تنكسر، الوقت ينفذ.
ماذا تفعل؟ توقف، أعد صياغة الموقف، قلها بصوت واضح: "خلّينا نعيد التقييم ونسويها مضبوط." المرضى لا يتوقعون الكمال… بل الأمان والصدق.
2-يفقد أحد الفريق ثقته
المساعدة تتجنب النظر، أخصائي النظافة الفموية يتردد، الجو كله يتغير.
ماذا تفعل؟ أعد التوجيه برقي، اسأل: "شنو تحتاج مني هسه؟" القيادة ليست سيطرة… بل حضور
3-يتسلل الإرهاق
أنت مستنزف… ثم يأتي مريض صعب يدفعك للحافة.
ماذا تفعل؟ تعرف على العلامات مبكرًا. احمِ نزاهتك قبل أن ينحتها الإرهاق. الراحة ليست ضعفًا—هي التي تحافظ على قيادتك.
04
الأخطاء التي لا ندوّنها
كلنا نسجّل الأخطاء السريرية، المضاعفات، التأجيلات. لكن ماذا عن تلك التي لا نكتبها؟
- الإجراء المستعجل لأن الجدول مزدحم.
- نصف الحقيقة لتجنب الإحراج.
- نصف الحقيقة لتجنب الإحراج. ختيار "الأسهل" بدل "الأصح".
لن يقاضيك أحد عليها. لكن المرآة تعرف.
أنا لا أفقد نومي على الأخطاء التقنية. أفقده على اللحظات التي كنت أعرف فيها أنني أستطيع أن أكون أفضل… ولم أكن. لأن راحة البال لا تأتي من الهروب من الحقائق الصعبة… بل من مواجهتها بنزاهة.
05
قواعد للقيادة عندما ترتجف اليد
- إهدأ أولًا: نبرة صوتك تحدد إيقاع الغرفة. تنفّس… ثم تحدث.
- اشرح الخطة: الغموض يولد خوفًا، حتى قول: "رح نتوقف ونعيد التقييم" يبني ثقة.
- تمسّك بالقيم: إذا تعارضت مصلحة المريض مع جدول اليوم… اختر المريض.
- دوّن بوضوح: في لحظات عدم اليقين، ملاحظاتك هي صوتك. اكتبها بنزاهة.
- تأمل ولا تجلد نفسك: تعلّم، عدّل، ثم تجاوز، لأن النمو يحتاج رحمة… وليس ذنبًا.
06
القيادة ليست غياب الأخطاء… بل كيفية النهوض بعدها
لا يوجد بروتوكول عالمي للتعامل مع الضغط. لكن يوجد استعداد للحضور.
وهذا الاستعداد لا يُدرّس في المحاضرات. إنه يُصنع في الليالي الطويلة، وفي الحوارات الصعبة، وفي اللحظات التي فشلت فيها، وفي القرارات التي كلّفتك الكثير.
القيادة لا تُصنع من الألقاب أو التكريمات. هي تُشكَّل في التوتر… وتُثبت بالتواضع.
07
عندما ترتجف اليد… دع القلب يثبت
مستقبل طب الأسنان لا ينتمي فقط لمن يملكون أهدأ يدين… بل لمن يملكون أقوى شخصية.
وإذا كنت طبيبًا شابًا تقرأ هذا الآن، فتذكر:
أخطاؤك لا تعرّفك
الطريقة التي تمسك بها المرآة عندما تحدث… هي التي تفعل.
أمسكها بتواضع.
أمسكها بحضور.
أمسكها بصدق.
لأن مرضاك لا يثقون بيديك فقط… بل بإنسانيتك.
طب الأسنان أكثر من صنع ترميمات جميلة. إنه بناء ثقة—وأحيانًا إعادة بنائها.
نحن لا نبني ابتسامات فقط… بل نبني شخصية، ووضوحًا، وشجاعة.

